تخطٍّ إلى المحتوى
عاصم التويجري
اكتب للبحث

رأي

السرقة بالوكالة — حين يصبح الذكاء الاصطناعي وسيطا للنسخ

توثيق لمسار منتج بدأ عام ٢٠١٩، ثم أعيد بناء وظائفه بالذكاء الاصطناعي وتقديم نسخة بديلة منه، وما يثيره ذلك قانونيا وأخلاقيا وشرعيا.

أربع دقائق للقراءة
عمل قائم يمر عبر أداة ذكاء اصطناعي ثم يخرج في صورة جديدة

في عام ٢٠١٩ بدأت منتجا يساعد طلاب الجامعات على بناء جداولهم الدراسية. وبعد نحو خمس سنوات، استخدم صاحب قناة كبيرة على تيليجرام الذكاء الاصطناعي لإعادة وظائف المنتج، واستضاف نسخة تعمل منه، وقدمها للجمهور نفسه عبر رابط بديل.

أسمي هذا السرقة بالوكالة: أن يوضع الذكاء الاصطناعي بين الفاعل والعمل القائم، فيبدو الناتج منفصلا عن الأصل مع أن الأداة بدأت من منتج معروف ووظائف محددة.

من QUStudio إلى بوكيت

بدأ المشروع باسم QUStudio، إضافة لمتصفحي كروم وفايرفكس تجلب مقررات طالب جامعة القصيم، وتتيح له اختيار الشعب وبناء جدوله وفحص التعارضات. أعلنت النسخة الأولى في ٢٧ يونيو ٢٠١٩ (يفتح في تبويب جديد).

إعلان QUStudio عام ٢٠١٩ بوصفه إضافة لمتصفح كروم تساعد طلاب جامعة القصيم على تخطيط جداولهم الدراسية

وهكذا كانت الإضافة تعمل داخل المتصفح:

تحول المشروع لاحقا إلى Bookmarklet يعمل من صفحة نظام الجامعة، ثم أعدت بناءه باسم بوكيت كتطبيق أصيل على الآيباد. استخدم المنتج عبر مراحله أكثر من ٣٠ ألف طالب، واشترك في خدماته المدفوعة أكثر من ألف مستخدم.

خمس سنوات من المعرفة بالمنتج

لم يصل صاحب القناة إلى الفكرة من فراغ. كان يضع QUStudio ضمن الخيارات السريعة في قناته، ويوجه الطلاب إليه طوال نحو خمس سنوات. كان يعرف المنتج ووظائفه وجمهوره قبل أن يبني حله.

بعد ذلك استخدم الذكاء الاصطناعي لإعادة تلك الوظائف، واستضاف نسخة مجانية تعمل مباشرة سماها Qu Schedule، ثم وضع لها رابطا بديلا وروج له في القناة والمجموعة التابعة لها، التي تضم نحو ٦٠ ألف مشترك.

وبعد إطلاق Qu Schedule، أصبح أي سؤال عن QUStudio في المجموعة يحال إلى النسخة الجديدة ورابطها.

لو أمرت روبوتا أن يسرق

تخيل أنك طلبت من روبوت أن يسرق شيئا، فنفذ الأمر. من المسؤول: الشركة التي صنعت الروبوت؟ أم الشركة التي تشغل نموذج الذكاء الاصطناعي؟ أم الشخص الذي أصدر الأمر؟

تعتمد الإجابة على مصدر الفعل. إذا وقع بسبب عيب في التصنيع أو البرمجة، فقد تمتد المسؤولية إلى المصنع أو المبرمج. أما إذا نفذت الآلة أمرا مقصودا كما طلب منها، فلا تصبح هي صاحبة القرار؛ بل تبقى أداة في يد من وجهها.

خلص بحث «المسؤولية الجنائية عن حوادث المركبات ذاتية القيادة في المملكة العربية السعودية» (يفتح في تبويب جديد) إلى أن المركبة الذاتية ليست شخصا قانونيا مستقلا، وأن المسؤولية تبقى مرتبطة بالفعل البشري، وتحدد بحسب مصدر الخطأ بين المالك والسائق والمصنع والمبرمج.

وفي تعديلات اللائحة التنفيذية لنظام المرور المنشورة في أم القرى بتاريخ ١٢ يونيو ٢٠٢٦ (يفتح في تبويب جديد)، أسندت قواعد والتزامات مرورية إلى مالك المركبة عندما تعمل ذاتيا من دون تدخل بشري.

هذا ليس تطبيقا لأحكام المرور على نماذج الذكاء الاصطناعي، بل مثال على المبدأ: غياب اليد البشرية أثناء التنفيذ لا يعني غياب الإنسان المسؤول عن تشغيل الأداة وتوجيهها. النموذج لم يختر بوكيت، ولم يقرر الوظائف المطلوب بناؤها، ولم يستضف Qu Schedule أو يروج له. هذه قرارات بشرية.

لماذا تحمى أعمال المبتكرين؟

كان من السهل سابقا أن يقال لمن أراد تقليد منتج: انسخ إن استطعت. فالنسخ نفسه كان يتطلب وقتا وخبرة، وغالبا لا يبلغ الناسخ جودة الأصل؛ لأنه لا يملك التجارب والقرارات المتراكمة التي أنتجته. لذلك لم يكن تقليد النتيجة طريقا مختصرا بالضرورة، بل مشروعا آخر له كلفته ومخاطره.

لكن الذكاء الاصطناعي خفض هذه الكلفة إلى حد بعيد، وأصبح قادرا على إعادة قدر كبير من وظائف منتج قائم في وقت قصير. وهنا يتغير الحافز: إذا كان الطريق الأقل كلفة هو انتظار نجاح منتج ثم تقليده في أيام، فلماذا يتحمل المطور سنوات التجربة والمخاطرة لبناء المنتج الأول؟ وهل يبقى الاطمئنان القديم إلى صعوبة التقليد منطقيا بعدما تغيرت أدواته؟

ومن هنا يمكن فهم أحد أسباب حماية أعمال المبتكرين. تمنح أنظمة الملكية الفكرية أصحاب الأعمال حقوقا استئثارية لمدة محددة، لا باعتبار الفكرة ملكية أبدية، بل لمنح صاحب العمل فرصة للانتفاع بما بناه قبل انتهاء الحقوق المالية المحددة نظاما.

هناك فرق بين براءة الاختراع وحق المؤلف:

لا أقول إن بوكيت حاصل على براءة اختراع، ولا إن كل تشابه بين منتجين تعد. الفكرة العامة لبناء الجداول ليست ملكا لأحد، ونظام حماية حقوق المؤلف نفسه يستبعد الأفكار والإجراءات وأساليب العمل من الحماية. السؤال الأصعب هو: متى يكون الناتج حلا مستقلا للفكرة نفسها، ومتى يكون إعادة لمنتج قائم وتفاصيل وظائفه؟

هذه الحدود مهمة لأن الحماية ليست لمكافأة الماضي فقط؛ بل لضمان أن يظل بناء الشيء الجديد خيارا منطقيا، بدل أن يكون الانتظار والتقليد هو القرار الأوفر.

قانونيا وأخلاقيا وشرعيا

قانونيا، تحتاج الواقعة إلى مقارنة فنية تحدد ما أعيد إنتاجه: فكرة عامة، أم شيفرة أو تصميم أو تعبير محمي. اختلاف الشيفرة وحده لا يجيب، وتشابه الوظيفة وحده لا يحسم.

أخلاقيا، يبقى السؤال قائما حتى إن لم يثبت تعد نظامي: هل من المقبول أن تروج لمنتج خمس سنوات، ثم تعيد وظائفه بالذكاء الاصطناعي، وتقدم نسختك إلى جمهوره عبر رابط بديل؟ وهل كون النسخة مجانية يغير طبيعة الفعل؟

شرعيا، قرر مجمع الفقه الإسلامي الدولي في شأن الحقوق المعنوية (يفتح في تبويب جديد) أن حقوق التأليف والاختراع والابتكار مصونة ولا يجوز الاعتداء عليها. كما اشترط في قراره بشأن الذكاء الاصطناعي (يفتح في تبويب جديد) مشروعية القصد والاستعمال والمآل، وصون الحقوق، والالتزام بالأمانة والتوثيق والشفافية. أما تنزيل هذه المبادئ على هذه الواقعة بعينها فهو سؤال للمتخصصين، لا فتوى أقررها هنا.

بوكيت اليوم

بوكيت متاح الآن كتطبيق على الآيباد، ويدعم جامعة القصيم وجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية. شرحت النسخة الحالية في مقالة: بوكيت بحلته الجديدة، وما يقدمه لطلاب الجامعتين.

تطبيق بوكيت على الآيباد لبناء الجداول الدراسية لطلاب جامعة القصيم وجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية

ما رأيك؟

أين ينتهي حق المنافسة ويبدأ نسخ منتج قائم؟ وهل يغير الذكاء الاصطناعي الحكم، أم يغير وسيلة التنفيذ فقط؟ وما تقييمك لما حدث قانونيا وأخلاقيا وشرعيا؟

اترك رأيك في التعليقات، سواء اتفقت مع وصف «السرقة بالوكالة» أو اختلفت معه. وأرحب خصوصا برأي المختصين في القانون والفقه والبرمجيات.

وإني وإن كنت الأخير زمانه
لآت بما لم تستطعه الأوائل

أبو العلاء المعري (يفتح في تبويب جديد)

مقالات ذات صلة